حوار مع الدكتور بسام بزون: الثقافة والتربية كرسالة لبناء الإنسان والوطن

بين عبق نرجس الجنوب وأروقة الفكر، يأخذنا هذا الحوار مع الدكتور بسام بزون، رئيس الحركة الثقافية في لبنان وعضو الأمانة العامة في الدولية للتنمية IDAS، في رحلة تجمع بين العمل التربوي، الإبداع الأدبي، والالتزام المجتمعي.

حاورته: دانا شعبان، بحضور رئيس التحرير الأستاذ سامر غدار.


أولًا: الهوية والمسار الشخصي (من القرية إلى الحركة الثقافية)

1- كيف تعرّفون أنفسكم اليوم؟ من أنت؟

جنوبي من الوطن الجريح الذي لا زال يعاني من زمن بعيد. ولدت في قرية تنبت على جنبات طرقاتها أزهار النرجس وشقائق النعمان.. أحببت في جدي عشقه للشروقي وهو أحد مجالات الشعر الزجلي وكان يطلق عليه (القوال).. تعلمت في مدارس الجنوب وتخرجت من كلية التربية في الجامعة اللبنانية وعُينت مديرًا للمدرسة الرسمية في بلدتي لمدة خمسة عشر عامًا.

شاركت في العديد من المؤتمرات، حائز على دكتوراه فخرية من “إيداس” و”نيوورلد” الكويت في مجال العمل التربوي، وحائز على دبلومة مستشار في المنازعات ذات الطابع الدولي، وعضو الجمعية العربية لحماية الملكية الفكرية، وأنا الآن رئيسًا للحركة الثقافية في لبنان وأعتبر نفسي جزءًا من أسرة الدولية للتنمية والخدمات.

أكتب خواطر شعرية وقد صدر لي: (ديوان سر الصمت، مرايا الحنين، على رصيف الانتظار)، ومؤخرًا كتاب (66 يومًا في المنفى) الذي يلامس معاناة أبناء الوطن من جراء التهجير القسري وترك الديار.. وهناك كتاب “ترانيم الوجد” تحت الطباعة. وهنا فأنا أعرّف نفسي من موقع الالتزام الثقافي والتربوي قبل أي توصيف آخر. فأنا لا أدعي بأنني أديب أو شاعر فأنا تربوي وناشط ثقافي، وأسعى لأن أرتقي إلى مستوى الأديب أو الشاعر وهذه الأدوار لا تنفصل في تجربتي، بل تتكامل ضمن رؤية تعتبر الثقافة مسؤولية مجتمعية وليست نشاطًا فرديًا، فمعًا يمكن أن نحقق الأهداف السامية.

2- ما اللحظة الفاصلة التي تحوّلت فيها الثقافة إلى رسالة حياة؟

عندما أدركت أن الكلمة قادرة على بناء الوعي ومواجهة الانغلاق، وأن الثقافة يمكن أن تكون أداة تغيير حقيقي، لا مجرّد تعبير جمالي. وأن نشر الوعي هو أولى الخطوات للتغيير. لذا كنت من أوائل من لبى دعوة الراحل الشاعر بلال شرارة في الانخراط بصفوف الحركة الثقافية في لبنان وعملت من خلالها على تحقيق الأهداف أعلاه، عبر مسؤوليات عدة من رئاسة مجلس المحافظة في الجنوب إلى أمانة السر إلى إدارة مراكز الحركة في صور.

3- كيف أثّرت نشأتكم الأولى في وعيكم الثقافي؟

نشأتي في بيئة تقدّر القيم والعمل والعلم أسهمت في تكوين وعي اجتماعي ربط المعرفة بالناس وبقضاياهم اليومية. فأبي الذي هاجر إلى الكويت والسعودية وليبيا وحتى في الداخل اللبناني كان همه الوحيد أن يساعدنا على تحصيلنا العلمي. ومجتمعنا الذي كان يقدر المتعلمين ورواد الفكر كل ذلك ألهمني السير في طريق الحرف والحبر بعيدًا عن الحرب.


ثانيًا: التجربة التربوية وبناء العقل النقدي

1- ماذا أضافت لكم تجربة إدارة المدرسة؟

أضافت لي فهمًا أعمق للإنسان، وأكدت أن التربية عملية إنسانية قبل أن تكون إدارية، وأن بناء الشخصية لا يقل أهمية عن بناء المعرفة. وأن بناء الشخصية الواعية والمتعلمة والملتزمة قضايا الوطن هي أولى الخطوات لبناء المجتمع بعيداً عن العصبيات القبلية والعائلية والمناطقية.

2- هل ترون أن المدرسة العربية تصنع مثقفًا؟

في كثير من الحالات، لا تزال المدرسة تصنع متلقيًا أكثر مما تصنع عقلًا نقديًا، وهو تحدٍّ يتطلّب مراجعة جذرية للأساليب التربوية. نعم، المدرسة العربية قادرة أن تصنع مثقّفًا، وقادرة أن تكون حاضنة للإبداع… ولكن بشرط؛ فالمدرسة العربية تملك اللغة، واللغة تملك الهوية، والهوية إذا وُجدت وُلد الفكر. لكن المشكلة ليست في “المدرسة” كنظام، بل في النموذج التربوي الذي يُدار به التعليم (السياسة التربوية).

إذا كانت المدرسة تُعلّم الحفظ بدل التفكير، وتكافئ الطاعة بدل السؤال، وتُخيف من الخطأ بدل أن تجعله طريقًا للتعلّم؛ فهي تصنع موظفًا مطيعًا لا مثقفًا حرًا. أما إذا كانت تزرع السؤال قبل الجواب وتفتح مساحة للاختلاف، فهي تصنع مثقفًا وتبني إنسانًا. والحمد لله فإننا نرى هذا النموذج المحبب ينمو في بعض الدول العربية وفي مقدمتها الدول الخليجية الشقيقة.

3- كيف يمكن للتربية أن تكون حاضنة للإبداع؟

التربية هي رحم الإبداع الأول. الإبداع لا يولد من الفراغ، بل من بيئة تُشجّع السؤال، وتُكرّم الخطأ باعتباره طريقًا للتعلّم، وتفتح الأبواب أمام الخيال. التربية الحقيقية تكتشف الفرادة في كل إنسان. كل مبدعٍ مرّ في حياته بمربٍ آمن به، أو مدرسةٍ احتضنت اختلافه.


ثالثًا: الحركة الثقافية في لبنان والتحديات الراهنة

1- ما الدافع وراء قيادتكم للحركة الثقافية؟

الحاجة إلى إطار ثقافي جامع يؤمن بالشراكة والانفتاح، ومتابعة الأهداف والرؤية التي وضعناها منذ التأسيس والقائمة على نشر الوعي المجتمعي وتمكين المرأة وحماية الأطفال ورعاية المواهب الشابة.

2- ما أبرز التحديات التي تواجه العمل الثقافي؟

أهم التحديات هي ضعف الدعم المادي، غياب السياسات الثقافية الوطنية، وتراجع الاهتمام المجتمعي بالثقافة في ظل الأزمات المتلاحقة الاجتماعية والأمنية والاقتصادية.

3- هل الثقافة اليوم فعل مقاومة؟

نعم، هي مقاومة للجهل والتهميش، وحماية للهوية والوعي. من خلال الثقافة نبني مجتمعًا متماسكًا ومواجهًا لكل أشكال التدمير الداخلي أو الخارجي.


رابعًا: الأدب والشعر (الكلمة كمنصة موقف)

1- ما القضايا التي تشغلكم أدبيًا؟

الإنسان، العدالة الاجتماعية، الذاكرة، والانتماء. وبين هذا وذاك ابتعاد الناس عن الكتاب والتوجه نحو وسائل التواصل الإلكترونية.

2- هل الشاعر مطالب بموقف؟

أرى أن الموقف يمنح الجمال بعده الإنساني، وأن الأدب لا ينفصل عن القيم. والشاعر هو منصة إعلامية من خلال قصيدته وكتاباته لنقل الصورة.


خامساً: الرؤية المستقبلية ودور الدولية للتنمية IDAS

1- كيف تقيّمون تجربتكم مع الدولية للتنمية IDAS؟

هي تجربة قائمة على التعاون والالتزام، ونجحت في الاستمرار رغم الظروف الصعبة بفضل وضوح الرؤية وروح المبادرة. دور IDAS لا يُقاس بالشعارات، بل بالأثر والمسار المتكامل الذي تصنعه في الوعي والسلوك.

2- محاور عمل مؤسسة IDAS في بناء المجتمع:

  • بناء الإنسان قبل البُنى: تأهيل وتدريب وتمكين الفاعل المجتمعي.

  • ترسيخ ثقافة الشراكة: اعتماد منهج العمل التشاركي بدل الصراع المؤسسي.

  • صناعة الوعي التنموي: الانتقال من منطق “المساعدة” إلى منطق “التمكين”.

  • الاستدامة لا الموسمية: العمل القائم على استراتيجيات طويلة الأمد.

3- رسالة للدكتور بسام بزون إلى الشباب

الثقافة مسار طويل، يبدأ بالقراءة، ويتعزّز بالسؤال، ويكتمل بالمسؤولية.


خلاصة الحوار

الدكتور بسام بزون يرى أن التغيير الثقافي قد يكون بطيئًا لكنه الأكثر ثباتًا، مؤكدًا أن المثقف هو حارس القيم وصوت العقل في زمن الأزمات.