في المجتمعات المتأثرة بالأزمات، لا تقتصر التحديات على فقدان الدخل أو تدهور الموارد الطبيعية، بل تمتد لتشمل الإرهاق النفسي وتفكك الروابط الاجتماعية. في هذا السياق، يبرز التدريب البيئي كمدخل غير تقليدي للتنمية، يتجاوز نقل المهارات ليؤدي دورًا متناميًا في الشفاء الجماعي وبناء الصمود المجتمعي.
التدريب البيئي.. أكثر من مجرد مهارة تقنية
اعتاد كثيرون النظر إلى التدريب البيئي كأداة تقنية لتحسين الممارسات الزراعية أو إدارة الموارد. إلا أن التجارب الميدانية تُظهر أن هذه التدريبات، عندما تُنفَّذ بأسلوب تشاركي، تتحول إلى مساحات آمنة تجمع الأفراد حول هدف مشترك، بعيدًا عن ضغوط الصدمة وفقدان الاستقرار.
تؤكد منظمة الصحة العالمية أن الأنشطة الجماعية الهادفة، خاصة تلك المرتبطة بالطبيعة والعمل اليدوي، تساهم في خفض مستويات التوتر وتعزيز الشعور بالمعنى والسيطرة لدى المجتمعات المتأثرة بالأزمات.
الطبيعة كوسيط للتعافي النفسي والاجتماعي
للعمل مع الطبيعة أثر يتجاوز الإنتاج؛ حيث تشمل الفوائد:
إعادة الاتصال: زراعة شجرة أو الاعتناء بمحصول تُعيد ربط الإنسان بمحيطه.
تعزيز الانتماء: المشاركة في نشاط بيئي جماعي تساعد الفرد على استعادة إحساسه بالانتماء.
بناء الثقة: أشار برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أن استعادة النظم البيئية تلعب دورًا أساسيًا في تعزيز صمود المجتمعات وبناء الثقة الاجتماعية.
من الدعم النفسي إلى التماسك المجتمعي
في العديد من السياقات الهشة، يؤدي التدريب البيئي دورًا تكميليًا لبرامج الدعم النفسي–الاجتماعي، حتى وإن لم يُصنَّف رسميًا كذلك. فالمشاركة، والتعاون، وتحقيق إنجاز جماعي ملموس، كلها عناصر أساسية في مسارات التعافي.
تشير إرشادات المفوضية السامية لشؤون اللاجئين إلى أن الأنشطة المرتبطة بسبل العيش والبيئة يمكن أن تشكل مدخلًا فعّالًا لتعزيز الصحة النفسية والتماسك الاجتماعي، خاصة في المجتمعات المتأثرة بالنزوح.
إعادة تعريف دور التدريب في التنمية المستدامة
إعادة النظر في التدريب البيئي تعني الانتقال من التركيز على المهارة فقط إلى الاعتراف بدوره الاجتماعي والنفسي:
البيئة كمساحة تفاعل: البيئة ليست مجرد مورد، بل مساحة للشفاء.
التدريب كعملية تراكمية: التدريب ليس نشاطًا عابرًا، بل عملية تُسهم في إعادة بناء الإنسان والمجتمع معًا.
يؤكد الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة أن الحلول القائمة على الطبيعة تحقق فوائد اجتماعية ونفسية ملموسة، إلى جانب أثرها البيئي.
خلاصة القول
في زمن تتكاثر فيه الأزمات، يصبح التدريب البيئي أكثر من أداة تنموية؛ إنه مساحة شفاء جماعي، ومنصة لإعادة بناء العلاقة بين الإنسان والطبيعة، وخطوة أساسية نحو تنمية أكثر إنسانية واستدامة.
بقلم: د. ناجي العبد الله مدرب تنمية بشرية – مدير مركز IDAS فرع جبل لبنان
